الشيخ محمد رضا مهدوي كني
9
البداية في الأخلاق العملية
وفي الاخلاق التطبيقية أو المقارنة ، يتم اجراء قياس ومقارنة بين مختلف المذاهب ووجهات النظر . فبعد الوقوف على مختلف الرؤى والافكار ووجهات النظر ، تجري عملية انتخاب الأفضل على ضوء ما لدى هذه المذاهب من قواعد ومعايير . ورغم انّ اجراء مثل هذه الدراسة ، ذو انعكاسات مفيدة بل وضرورية ، غير اننا لسنا بصددها في هذا الكتاب ، وقد تسنح فرصة أخرى للقيام بهذه المهمة إذا حالفنا التوفيق الإلهي . والاخلاق العملية ، هي الاخلاق التي ينهض هذا الكتاب بدراستها ، رغم ان ضرورة التوضيح تستدعي أحيانا الإشارة إلى بحوث أخرى . والمراد بالأخلاق العملية ، تلك الآداب والأحكام الخاصة التي من الضروري الالتزام بها خلال حركة التزكية والتهذيب والتي تقرّب إلى الهدف عن طريق ممارستها والعمل بها ، سواء كان هذا العمل قلبيا كالنية ، والحب ، والبغض ، وسوء الظن ، والحسد ، والحقد ، والتواضع ، والتكبر ، أو بدنيا . البعد القيمي في الاخلاق العملية يبحث العمل على صعيد علم الاخلاق ، نظرا لما يتميز به من ثقل قيمي ، ولأنه يكشف عن خصيصة خلقية . بتعبير آخر : تقيّم الآداب والاحكام العملية في علم الاخلاق من حيث إنها خالقة للقيم ومتأثرة بها لا على أساس الجانب الحقوقي والتكليفي . فالعمل الصادر عن شخص ما بشكل نادر والذي ينسب اليه كحركة عرضية ، يعدّ خارجا عن دائرة علم الاخلاق ، وان كان محكوما من الناحية الفقهية والتكليفية بأحد الأحكام الخمسة ، أي : الوجوب ، والحرمة ، والاستحباب ، والكراهة ، والإباحة . اما العمل الذي يؤلف موضوع البحث والدراسة في علم الاخلاق فهو ذلك العمل المستند إلى خلق الانسان وطبعه ، أو انه يترك أثرا على خلق الانسان وطبعه . والنقطة الجديرة بالاهتمام هي ان الكثير من الآداب والسنن تبحث عادة بشكل مشترك في حقلي الفقه والاخلاق ، غير أن مثل هذا الاشتراك لا يمكن ان يعدّ دليلا على التداخل والتكرار ، وذلك للتباين القائم في طبيعة البحث